محمد سعيد رمضان البوطي

160

فقه السيرة النبوية مع موجز لتاريخ الخلافة الراشدة

الدلالة الثانية : خضوع حالات الغزو والمعاهدات والصلح بين المسلمين وغيرهم لما يسمى بالسياسة الشرعية أو ما يسميه بعضهم ب ( حكم الإمامة ) . وبيان ذلك أن مشروعية فرض الجهاد من حيث الأصل ، حكم تبليغي لا يخضع لأي نسخ أو تبديل ، كما أن أصل مشروعية الصلح والمعاهدات ثابت لا يجوز إبطاله أو اجتثاثه من أحكام الشريعة الإسلامية . غير أن جزئيات الصور التطبيقية المختلفة لذلك ، تخضع لظروف الزمان والمكان وحالة المسلمين وحالة أعدائهم ، والميزان المحكم في ذلك إنما هو بصيرة الإمام المتدين العادل وسياسة الحاكم المتبحر في أحكام الدين مع إخلاص في الدين وتجرد في القصد ، إلى جانب اعتماد دائم على مشاورة المسلمين والاستفادة من خبراتهم وآرائهم المختلفة . فإذا رأى الحاكم أنّ من الخير للمسلمين أن لا يجابهوا أعداءهم بالحرب والقوة ، وتثبّت من صلاحية رأيه بالتشاور والمذاكرة في ذلك ، فله أن يجنح إلى سلم معهم لا يصادم نصّا من النصوص الشرعية الثابتة ، ريثما يأتي الظرف المناسب والملائم للقتال والجهاد . وله أن يحمل رعيته على القتال والدفع إذا ما رأى المصلحة والسياسة الشرعية السليمة في ذلك الجانب . وهذا ما اتفق عليه عامة الفقهاء ودلّت عليه مشاهد كثيرة من سيرته صلّى اللّه عليه وسلم اللهم إلا إذا داهم العدو المسلمين في عقر دارهم وبلادهم ، فإن عليهم دفعه بالقوة مهما كانت الوسيلة والظروف ، ويعمّ الواجب في ذلك المسلمين والمسلمات كافة بشرط الحاجة وتوفر مقومات التكليف . ثم إن الصحيح الذي اتفق عليه عامة الفقهاء أن هذه الشورى مشروعة ولكنها ليست بملزمة ، أي إن على الحاكم المسلم أن يستنير بها في بحثه ورأيه ، ولكن ليس عليه أن يأخذ بآراء الأكثرية مثلا لو خالفوه في رأيه . . ويقول القرطبي في هذا : « المستشير ينظر في اختلاف الآراء ، وينظر أقربها إلى الكتاب والسّنة إن أمكنه ، فإذا أرشده اللّه تعالى إلى ما شاء منها عزم عليه ، وأنفذه متوكلا عليه » « 7 » . 3 - ولا شك أن الباحث ليتساءل : لماذا لم يقع جواب أبي بكر وعمر والمقداد موقعا كافيا من نفس الرسول صلّى اللّه عليه وسلم ، وظل ينظر في وجوه القوم ، حتى إذا تكلم سعد بن معاذ ، اطمأن وطابت نفسه عند ذاك ؟ والجواب ، أن النّبي عليه الصلاة والسلام إنما كان يريد أن يعرف رأي الأنصار أنفسهم في ذلك الأمر : ترى هل سيصدرون في آرائهم وأحكامهم عن المعاهدة التي تمت بينهم وبينه عليه الصلاة والسلام من حيث إنها معاهدة خاصة تستوجب الالتزام بها ، وإذن فليس من حقه أن يجبرهم على القتال معه والدفاع عنه إلا في داخل المدينة كما تنص على ذلك المعاهدة . أم سيصدرون

--> ( 7 ) الجامع لأحكام القرآن : 4 / 252